[ 2386 مشاهدات ]

  ولدينا صدى عن ذلك العهد في مذكرات السائح الروماني بييترو ديلا فالي الذي وصل حلب في 5 آب سنة1635 قادماً من بغداد. فنزل عند قنصل البنادقة وكان معه رسالة من الأب باسيل الكرملي الفاطن في البصرة إلى البطريرك السرياني بطرس هدايا فيها يلتمس المرسل من البطريرك شرف مكاتبته باللغة العربية ليتقنها ويستفيد خبرة لخدمة مسيحيي البلاد. ولما كان مقر البطريرك هدايا خارج الأسوار في ضاحية من ضواحي حلب البعيدة عن قلب المدينة وتسمى الجديدة (هو موقع القلاية الحالي الذي أصبح من المدينة القديمة) فقد أرسل بييترو ديلا فالي رسالة الأب إلى البطريرك مع غلام. فأجاب عليها البطريرك بواسطة السائح المذكور.
    وقبل أن يبرح هذا المدينة لم يتمالك من تجثم مشاق زيارة كنائس المسيحيين الشرقيين فيقول أنه وجدها على مسافة قصيرة من حارة الجديدة يميناً. ولقد صادف أولاً اربع كنائس متلاصقة في ساحة واحدة فسيحة يطل عليها من باب واحد. اثنتان للأرمن الأولى أجملهما باسم الأربعين شهيداً والثانية صغيرة باسم العذراء القديسة، وكنيسة للروم باسم مار نيقولاوس وأخرى أصغر الجميع للموارنة باسم مار الياس. والساحة المذكورة هي الآن المطبعة المارونية التي كان مدخلها الرسمي من تلك الساحة.

عند البطريرك هدايا:

    ورأى السائح على مسافة غير بعيدة كنيسة منفردة جميلة جداً تشبه بهندستها كنائس بلاده، بثلاثة أسواق وصفَّي عواميد، تخص السريان ومعروفة باسم "ستنا السيدة". يلاصقها بناء واسع ذو بستان ومكتمل اسباب الراحة المعهودة في الشرق وفيه يسكن بطريرك السريان بطرس هدايا.
    دخل ديلا فالي على البطريرك ليقدم احتراماته ويعتذر عن تأخير زيارته فوجده كثير الوقار واللطف واللباقة طبقاً لعادات البلاد. وقد أراه البطريرك وشرح له في سياق الحديث عن مخطوطين ثمينين للإنجيل هما في حوزته لأحدهما يرتقي عهده إلى أربعمئة سنة من ذلك التاريخ أي إلى سبعمئة سنة من تاريخنا، وهو مكتوب بأحرف من ذهب وفضة، وجده الأتراك في قبرص ونقلوه إلى القسطنطينية واشتراه أحد التجار من هناك ونقله إلى حلب وهو في غاية الجمال. والمخطوطالثاني أقدم من الأول بخمسين سنة انما مكتوب بحبر عادي وأقل زخرفاً ورسوماً. وقدم له البطريرك شرابات مثلجة لذيذة جداً على حد قوله. ولما ودع البطريرك حمَّله هذا تحيات كثيرة إلى قداسة البابا.
    ويلاحظ السائح أهمية حلب التجارية اذ يفد اليها التجار من جميع اطراف الشرق حاملين حجاراتهم الكريمة وحرائرهم ومختلف منسوجاتهم واصناف البهارات، ويقصدها الغربيون من فرنسا وهولندا والبندقية وانكلترا ومراكبهم مثقلة بالعملات بحيث يكثر من هذه في الأسواق التجارية الرائجة بحلب فلا تعد بل توزن منها الاكياس.

المرسلون الأولون:

     أول من افتتح رسالة كاثوليكية في حلب هم الرهبان الكبوشيون سنة1626 ثم لحق بهم الكرمليون واليسوعيون. وكان سنة1650 في حلب ثلاثة رهبان يسوعيين في تفاهم مع البطريرك الماروني يوسف العاقوري المقيم بحلب الذي حرم سائر الرهبان لتعديهم على حقوقه ثم تصافى معهم بعد تداخل مجمع انتشار الايمان. وكان اليسوعيون يهتمون بثلاث أخويات للسيد وبمدرسة واحدة ويعرفون ويرشدون ويعظون في كنيسة مار الياس للموارنة لأنهم كاثوليك. وكانوا يلقون مواعظهم في باب الكنيسة حتى يسمعهم الموارنة من داخل الكنيسة والروم والارمن من كنيستيهم المجاورتين. أما عدد المسيحيين الاجمالي فكان أربعين ألفاً بين سريان وروم وأرمن وموارنة، والموارنة أقلهم عدداً. وأغلب بطاركة هذه الطوائف مقيمون في حلب نظراً لأهميتها وكثرة المسيحيين فيها.
    وكان المرسلون يجدّون في التعليم غير مبالين بالمصاعب المتأتية خصوصاً من التهمة الملصقة بمن ينصتون اليهم وهي أنهم ثائرون على الدولة العثمانية ويمالئون الافرنج للانعتاق من سلطانها ويستعدون لاعلان الحرب عليها. ولما كان السريان أقرب من غيرهم إلى الكثلكة خاصة لقرب عهدهم بانضمام الخواجا سفر كبيرهم إليها وتساهل بطرس هدايا بطريكهم على المرسلون بهم قبل غيرهم. وكان الراغبون في الكثلكة منهم يترددون سراً إلى منازل المرسلين أو يجتمعون في منازل بعضهم أو في كنيسة الموارنة. فتألفت من السريان جماعة كاثوليكية لم يكن اها رئيس روحي حتى قيض لهم المولى اندراوس أخيجان كما سيأتي ذكر ذلك في مقالنا القادم إن شاء الله.
    بلغنا في حديثنا حتى فجر الكثلكة في طائفتنا السريانية بحلب أي نحو منتصف القرن السابع عشر. وهنا لا بد لفهم ما يتبع من الحوادث مثل تدخل فرنسا في شؤون المسيحيين وخصوصاً المتكثلكين منهم في الشرق الأدنى أن نتصور عهوداً كادت تمحى آثارها اثر التطور السريع الذي شمل البلاد فقفز بها في سنين إلى أجيال من التقدم والعمران.